• «أوبك»: الدول «المتأرجحة» أبدت مرونة بخفض إنتاج النفط

    24/11/2016

    أسامة سليمان من فيينا

    ​وسط أجواء إيجابية للغاية لمس فيها مراقبو السوق ارتفاع مستوى التفاؤل، اختتمت اللجنة العليا لخبراء "أوبك" أعمالها فى مقر المنظمة فى فيينا بعد يومين من العمل المطول والشاق لإنهاء كافة الترتيبات قبل أيام من انطلاق الاجتماع الوزاري المرتقب رقم 171 لمنظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" الأربعاء المقبل.

    ويراهن كثيرون على أن الاجتماع الوزاري المقبل سيدشن لمرحلة جديدة في سوق النفط الخام تتحول فيها "أوبك" إلى تقييد الإنتاج – ولو مؤقتا – للسيطرة على حالة تخمة المعروض في الأسواق وامتصاص فائض المخزونات، وهما العاملان الكبيران اللذان تسببا فى انهيار وتقلبات الأسعار على مدار نحو ثلاثة أعوام.

    وبدأت مؤشرات التوافق الأولية بين المنتجين خلال الاجتماع الوزاري الاستثنائي رقم 170 الذي عقد في الجزائر في نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي وأسفر عن الاتفاق على خفض إنتاج دول المنظمة إلى مستوى ما بين 32.5 مليون برميل و33 مليون برميل يوميا.

    إلا أنه سرعان ما تجددت المخاوف في الأسواق نظرا لوجود جوانب اعتبرها كثيرون غامضة وتضعف فرص الاستقرار في السوق، وهي المتعلقة بآليات التنفيذ وتحديد حصة كل دولة من الدول المنتجة خاصة في ضوء سعي عدة دول للحصول على الإعفاء من تنفيذ الاتفاق نظرا لحاجتها إلى موارد أكبر وتأتي في مقدمتها العراق وإيران.

    وقد أسهمت الجولات المكوكية للأمين العام لـ "أوبك" محمد باركيندو في العراق وإيران وفنزويلا والإكوادور وبعض دول الخليج في تحقيق تقدم ملحوظ، حيث أبدت الدول ذات المواقف المتأرجحة مرونة أكبر واستعدادا للالتزام بقرارات "أوبك" الجماعية فى 30 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري.

    ومن المعروف أن الاجتماع الاستثنائي السابق لـ "أوبك" في الجزائر أسند إلى لجنة الخبراء الفنية عدة أعمال جوهرية تمهد الطريق وتسهل مهمة الوزراء في إنجاز اجتماعهم من خلال وضع آليات تطبيق اتفاق الجزائر.

    ويجيء في مقدمة تلك البيانات دراسة القدرات الإنتاجية الفعلية لكل منتج وفق بيانات دقيقة وموثقة من أكثر من جانب للوقوف على حقيقة مساهمة كل منتج في المعروض النفطي العالمي، وذلك بدراسة البيانات الرسمية لكل وزارة نفط في الدول الأعضاء إلى جانب مطابقة ذلك مع بيانات المؤسسات الاقتصادية الدولية وعلى رأسها وكالة الطاقة الدولية ومنظمة أوبك.

    وبحسب مصادر داخل منظمة أوبك أكدت لـ "الاقتصادية" فإن اجتماع "الخبراء" كان أفضل من الاجتماع السابق، لكنه احتاج أيضا إلى مفاوضات شاقة تجاوزت 11 ساعة يوميا وكانت هناك رغبة قوية في سرعة إنجاز المهمة الموكلة خاصة تحديد سقف إنتاج جديد لدول المنظمة في نفس الإطار المعلن في الجزائر بين 32.5 مليون و33 مليون برميل يوميا.

    وأشارت المصادر إلى أنه نوقش أيضا خفض إنتاج دول المنظمة بنحو 4 إلى 4.5 في المائة لكل منتج وتم التركيز على مدى قدرة إيران والعراق على الالتزام بخطط خفض الإنتاج خاصة مع تسرب أنباء عن أن ايران قد تقبل بتجميد إنتاجها عند 3.9 مليون برميل يوميا.

    ونوهت المصادر بأن التقرير النهائي لـ "الخبراء" محاط بسرية كبيرة تحول دون معرفة أي أنباء دقيقة عنه، حيث تم رفعه على الفور إلى وزراء الطاقة والنفط في الدول الأعضاء في منظمة أوبك تمهيدا لاتخاذ القرار النهائي المعلن عقب انتهاء أعمال الاجتماع الوزاري في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري.

    وذكرت المصادر أن "الخبراء" ركزوا على أفضل الآليات لمواجهة تحديات سوق النفط الخام العالمي المستمرة والمتمثلة في وجود احتمالات غير مؤكدة بالنسبة إلى مستقبل النمو في الاقتصاد العالمي إلى جانب انتشار أنشطة المضاربة المفرطة كنتيجة طبيعية لتقلبات السوق المتوالية، كما استعرضوا حجم التقدم في المجال التكنولوجي وتأثيراته في عمليات التنقيب والإنتاج والبيئة والتنمية المستدامة ومدى تأثيره في زيادة قدرة المنتجين على ضبط العملية الإنتاجية خاصة اللجوء إلى خفض الإنتاج.

    وأوضحت المصادر أن عمل لجنة الخبراء وضع في اعتباره مبدأ تعزيز الشفافية في بيانات الطاقة وتحفيز جهود جميع المنتجين من أجل التغلب على التقلبات في السوق وتقليل فترات الركود ودفع سوق النفط الخام نحو البقاء في حالة رواج مستدام إلى جانب التركيز على جعل الصناعة أكثر مرونة وأكثر كفاءة.

    وأشارت المصادر إلى أنه تم الأخذ في الاعتبار أهمية الجمع بين كل الجهات المعنية في القطاع، للمساعدة على تطوير جهود التعاون والتنسيق المشترك وتسهيل مواجهة الصعوبات والمشكلات المعقدة في السوق وبالتالي الوصول إلى الاستقرار المنشود في السوق سواء في الآجال القصيرة أو المتوسطة أو الطويلة.

    وشددت المصادر على أن نمو الإنتاج سيكون في مراحل لاحقة بعد تعافي مستويات الطلب، متوقعة أن احتياجات الطاقة ستوالي الارتفاع وأن إنعاش الاستثمارات في المرحلة الراهنة سيؤمن الإمدادات الملائمة في المستقبل، وأن هذه الاستراتيجيات المتغيرة في التعامل مع السوق وظروفها تتطلب تطوير برامج التعاون والحوار بين المنتجين والتركيز على إيجاد الحلول الشاملة للتعامل مع المتغيرات المتلاحقة في السوق.

    وذكرت المصادر أن دعوة كبار المنتجين من خارج "أوبك" لحضور الاجتماع الوزاري وليكونوا شركاء في اجتماع "الخبراء" يبرز الدور المحوري لـ "أوبك" في أسواق الطاقة في الفترة المقبلة، حيث إنها تستطيع الآن توجيه المنتجين من خارجها والتأثير في مواقفهم عبر المفاوضات وعلاقات الشراكة البناءة معهم، حيث ستظل "أوبك" المورد الموثوق به في سوق النفط والشريك الرئيسي المحرك لسياست الطاقة في المستقبل.

    من ناحيته، قال الدكتور فيليب ديبيش رئيس المبادرة الأوروبية للطاقة لـ "الاقتصادية"، "إن البعض يحاول التقليل من الانعكاسات الإيجابية التي يمكن أن يحققها خفض الإنتاج على ظروف سوق النفط الخام خاصة أن البعض يراهن على أن الخفض سيكون محدودا وغير مؤثر".

    وأشار إلى أن تنفيذ خفض الإنتاج وفق اتفاق الجزائر سيؤدي - دون شك - إلى توازن ملحوظ وتعاف في الأسعار في السوق حتى لو جاء محدودا أو لفترة مؤقتة كما قدرها البعض بنحو ستة أشهر لكنها ستؤدي إلى وقف التنافس على زيادة الإنتاج وحرق الأسعار، وسيرسل رسالة إلى السوق بأن المنتجين يمكن أن يعملوا ويتحركوا معا بنجاح وتوافق.

    ونوه بأن لجنة الخبراء الفنية تلعب دورا رئيسا فى إنجاح اتفاق الجزائر لأنها تمثل التحضير الجيد والدراسات الفنية المستفيضة والدقيقة، ما سيجعل القرار يجيء جيدا ومدروسا من كل جوانبه ويعرض في موضوعية وشفافية كبيرة آليات خفض الإنتاج.

    من ناحيته، قال إيفيليو ستايلوف المستشار الاقتصادي البلغاري في فيينا لـ "الاقتصادية"، "إنه تردد أن لجنة الخبراء في "أوبك" أوصت بخفض الإنتاج بنسب تراوح بين 4 إلى 4.5 في المائة لجميع الأعضاء، مع منح وضع استثنائي إلى كل من ليبيا ونيجيريا والعراق وإيران" معتبرا الوزراء – بحسب قناعته – لن يقبلوا بفكرة منح الاستثناءات، ويمكن استبدال الخفض بتجميد الإنتاج، أشبه ما يكون بما تم التوافق عليه بشأن وضع الإنتاج في روسيا.

    واشار إلى أنه بحسب مندوبين في داخل "أوبك" فإن فكرة تقييد الإنتاج لمدة ستة أشهر هي محل توافق أغلب المنتجين، مشيرا إلى أن السوق تحتاج إلى دفعة أقوى وأن الاتفاق إذا جاء هزيلا ربما تكون تأثيراته الإيجابية محدودة في الأسعار وفي وضع السوق.

    وأضاف أن "حديث وزير الخارجية العراقي عن أنه ليس من العدل أن تطالب "أوبك" العراق بخفض الإنتاج يضفي مزيدا من الغموض والمواقف الملتبسة على ثاني أكبر منتج للنفط الخام داخل منظمة أوبك، خاصة أن الأمين العام تلقى تأكيدات خلال زيارته بغداد أخيرا بدعم العراق اتفاق الجزائر، الذي كان قد تم التوصل إليه بإجماع الدول الأعضاء في سبتمبر الماضي".

    من جانبه، أعرب ردولف هوبر الباحث في شؤون الطاقة لـ "الاقتصادية" عن اعتقاده بأن لجنة الخبراء أنجزت مهمتها بنجاح خاصة أن الأيام الأخيرة شهدت تقاربا مستمرا في مواقف المنتجين بعدما استشعروا جميعا خطورة استمرار أوضاع السوق على ما هو عليه خاصة بالنسبة إلى الأسعار التي أصبحت عنصرا معطلا لعودة ازدهار الاستثمارات وبالتالي تأمين الإمدادات في المستقبل.

    وأضاف أن "وجود روسيا وبعض كبار المنتجين من خارج "أوبك" أضاف زخما وقوة إلى المفاوضات بين "الخبراء" وأتاح قطع شوط كبير من التوافق حول خطة خفض الإنتاج خاصة أن روسيا وهي أكبر منتج للنفط الخام أكدت استعدادها لدعم ومساندة خطة تحرك دول "أوبك".

    وأشار إلى أنه - بحسب معلوماته - كان التوتر في اجتماع "الخبراء" الثاني أقل، وكانت هناك رغبة أكبر في التعاون وإنجاز النقاط الفنية محور الخلاف خاصة حجم الإنتاج ومدى القدرة على خفضه وهو ما تم إنجازه على مدار اليومين، منوها بأن الكرة الآن في ملعب الاجتماع الوزاري لوضع اللمسات النهائية ثم إطلاق قرار الخفض مصحوبا بخريطة تفصيلية وبرامج وتعهدات واضحة لا لبس فيها ترفع مستوى الشفافية في السوق وتقود إلى استعادة الاستقرار والتوازن في كل جوانب الصناعة. وقال "إن المخاوف من فشل اجتماع أوبك الوزاري الأربعاء المقبل تقلصت على نحو كبير في ضوء إنجاز مهمة "الخبراء" بنجاح وتقديم توصيات متكاملة للوزراء"، مشيرا إلى أن فشل الاتفاق كان يهدد بتفاقم حالة تخمة المعروض خاصة مع بداية العام الجديد، لكن حاليا من الأرجح أننا سنشهد بداية عام جديد، والسوق قد قطعت شوطا جيدا نحو تقليص الفجوة بين العرض والطلب.

حقوق التأليف والنشر © غرفة الشرقية